ابن أبي أصيبعة
530
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
يكون عمرك خمسا وعشرين سنة قال القاضي أبو مروان فلما قص علي هذه الرؤيا قلت له لا تتوهم من هذا فلعله من أضغاث أحلام قال ولم تكمل تلك السنة إلا وقد مات فكان عمره كما قيل له خمسا وعشرين سنة لا أزيد ولا أنقص وخلف ولدين كل منهما فاضل في نفسه كريم في جنسه أحدهما يسمى أبا مروان عبد الملك والآخر أبا العلاء محمد والأصغر منهما وهو أبو العلاء معتن بصناعة الطب وله نظر جيد في كتب جالنوس وكان مقامهما في أشبيلية أبو جعفر بن هارون الترجالي من أعيان أهل أشبيلية وكان محققا للعلوم الحكمية متقنا لها معتنيا بكتب أرسطوطاليس وغيره من الحكماء المتقدمين فاضلا في صناعة الطب متميزا فيها خبيرا بأصولها وفروعها حسن المعالجة محمود الطريقة وخدم لأبي يعقوب والد المنصور وكان من طلبة الفقيه أبي بكر بن العربي لازمه مدة واشتغل عليه بعلم الحديث وكان أبو جعفر بن هارون يروي الحديث وهو شيخ أبي الوليد بن رشد في التعاليم والطب وأصله من ترجالة من ثغور الأندلس وهي التي أصابها المنصور خالية وهرب أهلها وعمرها المسلمون وكان أبو جعفر هارون أيضا عالما بصناعة الكحل وله آثار فاضلة في المداواة حدثني القاضي أبو مروان محمد بن أحمد بن عبد الملك اللخمي ثم الباجي أن أخاه القاضي أبا عبد الله محمد بن أحمد لما كان صغيرا أصاب عينه عود واخترق السواد حتى أنه يئس له من البرء فاستدعى أبوه أبا جعفر بن هارون وأراه عين ولده وقال له أنا أدفع لك ثلاثمائة دينار وتعالجها فقال والله ما حاجة إلى هذا الذي ذكرته وإنما أداويه ويصلح إن شاء الله تعالى وشرع في مداواته إلى أن صلحت عينه وابصر بها وأصاب ابن هارون خدر وضعف في أعضائه فالتزم داره بأشبيلية وكان يطب الناس وتوفي بأشبيلية أبو الوليد بن رشد هو القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد مولده ومنشؤه بقرطبة مشهور بالفضل معتن بتحصيل العلوم أوحد في علم الفقه والخلاف واشتغل على الفقيه الحافظ أبي محمد بن رزق وكان أيضا متميزا في علم الطب وهو جيد التصنيف حسن المعاني وله في الطب كتاب الكليات وقد أجاد في تأليفه وكان بينه وبين أبي مروان بن زهر مودة ولما ألف كتابه هذا في الأمور الكلية قصد من ابن زهر أن يؤلف كتابا في الأمور الجزئية لتكون جملة كتابيهما ككتاب كامل في صناعة